اليمن بين زمن الزعيم وهجير النكبة

بين عهدين يفصل بينهما برزخ من الدموع والدم، يقف اليمني اليوم على شرفة الخراب، يقلب كفيه أسىً على وطن كان ملء السمع والبصر. 

إن الارتداد الوجداني الذي يمارسه اليمنيون اليوم نحو تفاصيل عهد الرئيس الشهيد علي عبد الله صالح ليس ضرباً من النزوع العاطفي العابر للماضي العابر، أو البكاء على أطلال الماضي، بل هو وعي الفجيعة. وعي شعب استيقظ على غياب الدولة ليكتشف أن أهون بيوت الميليشيا لهو أوهن من بيت العنكبوت.

في ذلك العقد الذي تمدد فيه حكم ونظام الدولة للزعيم صالح، كانت دولة بكامل وقارها السياسي والسيادي. كانت صنعاء قبلة، وكانت المؤسسات ملاذاً، والنظام والقانون، سياجاً يحمي العامة.

عاش اليمنيون في كنف تعددية سياسية منحت الشارع صوتاً، وحريات صحفية حركت الركود، وأمناً جعل المسافر يقطع الفيافي من صعدة إلى المهرة لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه. 

كانت للجمهورية هيبة، وللسيادة الوطنية أنياب في المحافل الدولية، وللريال اليمني كبرياء أمام سلات العملات.

ثم جاءت غاشية سبتمبر 2014، وحل الانقلاب الحوثي كجائحة وجودية اقتلعت جذور الهوية، وجرفت في طريقها كل ما بناه اليمنيون عبر عقود من الكفاح والتضحيات.

تحولت دولة المؤسسات إلى إقطاعيات للميليشيا، واستُبدل القانون بالملزمة، وصار الجوع تكتيكاً لتركيع الأحرار، والجهل سياسة ممنهجة لتفخيخ عقول الأجيال.

انشطرت البلاد عمودياً وأفقياً، غادرتها الطمأنينة، وامتلأت المقابر، وتحول جواز السفر اليمني من وثيقة كرامة إلى تهمة تلاحق حاملها في المطارات.

إن المقارنة اليومية والمريرة التي يعقدها اليمني -بين ما كان وما آل إليه الحال- هي محاكمة تاريخية علنية من الشعب ضد سلطة الكهف والمشروع السلالي. 

إنها شهادة حية على أن استقرار الأوطان لا يُباع في أسواق الشعارات الزائفة، وأن هدم المؤسسات تحت لافتات التغيير دون بديل وطني ناضج ليس إلا انتحاراً جماعياً دفع اليمنيون ثمنه من لحمهم الحي، ومن دماء أبنائهم، ومن أرصدة مستقبلهم.

إن الخروج من هذا التيه اليماني لا يبدأ من طاولات المساومات الخارجية، بل من استعادة الوعي بـفكرة الدولة؛ تلك الدولة المؤسساتية التي ترتكز على المواطنة المتساوية والنظام والقانون، والتي تركها صالح هيكلاً وطنياً وإرثاً نضالياً، قائماً فهدّمها العابثون.

على القوى الوطنية اليوم أن ترتقي إلى مستوى الفاجعة، وأن تدرك أن استعادة الجمهورية والسيادة المغدورة هي المعركة الوجودية الوحيدة التي تستحق خوضها حتى الرمق الأخير، ليعود اليمن سعيداً، حراً، ومؤسسياً كما كان وكما يجب أن يكون.