ماذا بقي من مهنة التعليم في بلد أنهكته الحرب؟
بينما احتفى ملايين المعلمين حول العالم بـاليوم العالمي للمعلم، الاثنين 5 أكتوبر، يقف الكادر التربوي في اليمن على أطلال منظومة تعليمية جرفتها سنوات الحرب الممتدة.
في بلدٍ تتقاسمه خطوط التماس وأزمات المعيشة، تحولت المدارس من منارات لبناء العقول إلى جبهات صامتة يكابد فيها الكادر والطلاب للبقاء على قيد الحياة والوعي، وسط مؤشرات دولية تحذر من انهيار شامل للمنظومة التعليمية.
عقد من الجفاف المالي
تعد أزمة الأجور العقبة الأكبر التي تعصف بالعملية التعليمية وتفرغ المدارس من كوادرها المؤهلة بشكل ممنهج. ووفقاً لبيانات منظمة اليونيسف والمنظمات الأممية الشريكة، يعاني أكثر من 160,000 معلم وموظف تربوي (قرابة نصف الكادر التعليمي في البلاد) من انقطاع رواتبهم بشكل منتظم منذ عام 2016، وتحديداً في المحافظات الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي.
أما في المناطق التابعة للحكومة المعترف بها دولياً، فرغم انتظام الرواتب نسبياً، إلا أن التدهور الحاد في قيمة العملة المحلية هبط بالقوة الشرائية إلى مستويات قياسية. وبحسب نقابات التعليم اليمنية، تراجع متوسط راتب المعلم إلى قرابة 40 دولاراً أمريكياً فقط، وهو مبلغ لا يغطي الاحتياجات الغذائية الأساسية لأسرة متوسطة، مما دفع مئات المعلمين إلى هجرة الفصول والتوجه نحو الأعمال العضلية الشاقة أو البيع في أسواق الخضار لإعالة أسرهم.
ملايين الأطفال في مصيدة التسرب والعمالة
تنعكس أزمات الكادر التربوي والوضع الاقتصادي الطاحن بشكل مباشر على مصير الأجيال الناشئة. وتشير أحدث تقارير منظمة إنقاذ الطفولة إلى أن أكثر من 4.5 ملايين طفل في اليمن خارج المدارس حالياً، ما يمثل حوالي ثلث إجمالي الأطفال في سن التعليم بالبلاد.
هذا الارتفاع المخيف في معدلات التسرب يغذيه عاملان رئيسيان: تدمير البنية التحتية، حيث تضررت أو دمرت أو استُخدمت كأشكال إيواء للنازحين أو لأغراض عسكرية أكثر من 3600 مدرسة منذ بداية الحرب.
البدائل الخطيرة؛ الفقر المدقع وعجز الأسر عن توفير القرطاسية والمستلزمات أجبر الأطفال على الانخراط في سوق العمل المبكر، ورفع معدلات زواج القاصرات للفتيات، بالإضافة إلى تزايد مخاطر التجنيد العسكري للقاصرين.
جفاف المنابع التربوية
لم تقتصر أضرار الحرب على غياب الطلاب، بل ضربت جودة التعليم في مقتل وامتدت لتهدد ديمومة المهنة نفسها. وصنف تقرير حديث صادر عن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) اليمن في المرتبة الأسوأ في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من حيث التحصيل العلمي، كاشفاً عن فجوة معرفية هائلة نتيجة لاعتماد المناهج على التلقين وغياب الكوادر المؤهلة والوسائل التعليمية المساعدة.
ويمتد هذا التجريف خطياً إلى التعليم الجامعي الذي يغذي المدارس بالمعلمين الجدد؛ ففي إحصائية مروعة تعكس عزوف الشباب عن المهن التربوية، سجلت كلية التربية بجامعة عدن تراجعاً تاريخياً حاداً في أعداد الملتحقين بها، حيث خلت أقسام حيوية مثل الفيزياء والكيمياء تماماً من أي مسجلين جدد، نتيجة تيقن الشباب بأن مهنة التدريس لم تعد توفر سبل العيش الكريم أو الأمان الاقتصادي.
منظومة تعليمية برأسين تفتت الهوية الجامعة
إلى جانب الأزمات الاقتصادية والبنيوية، تتجلى مأساة التعليم في الانقسام السياسي والمؤسسي للمؤسسات التعليمية. فالمنظومة التعليمية في اليمن باتت تدار بتقويمين دراسيين ومناهج معدلة تخضع للأيديولوجيات السياسية للجهات المسيطرة، سواء في الشمال أو الجنوب.
هذا التشرذم أدى إلى إضعاف الهوية التعليمية الجامعة وجعل عقول الطلاب ساحة استقطاب مفتوحة، مما يهدد بإنتاج أجيال عاجزة عن التعايش أو الانخراط في مشروع بناء يمن مستقر ومستدام بعد الحرب.
نداءات دولية لإنقاذ ما تبقى قبل الفوات
في الخامس من أكتوبر، لن يحمل المعلم اليمني باقة ورد أو رسالة شكر مخملية، بل سيحمل في جيبه دفتراً لتحضير الدروس وفي عقله هماً ثقيلاً لتوفير قوت يوم عائلته.
إن استمرار الصمت الدولي والمحلي تجاه هذا الانهيار الممنهج يعني ببساطة إعداماً بطيئاً لمستقبل البلاد بكاملها.
وتؤكد المنظمات الدولية مثل اليونسكو واليونيسف في نداءاتها المتكررة، أن الحل الجذري لإنقاذ التعليم يبدأ بـتحييد العملية التعليمية تماماً عن الصراع، والاستئناف الفوري لدفع أجور المعلمين دون قيد أو شرط، كخطوة إسعافية أولى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وحماية عقول الملايين من الجهل والتشرد.