تغريبة اللواء الأخضر.. واقع المعاناة الإنسانية لنازحي محافظة إب في مأرب وتعز وعدن
في صباحات متشابهة، ينهض آلاف النازحين من أبناء محافظة إب في مدن النزوح الثلاث، وهم يدركون أن يومهم لن يختلف كثيراً عن سابقه: ذات القلق، ذات البحث عن لقمة العيش، وذات الانتظار الطويل لمساعدات قد تصل أو لا تصل. لم يعد النزوح بالنسبة لهؤلاء مجرد مرحلة مؤقتة، بل تحول إلى واقع ممتد يفرض إيقاعه القاسي على تفاصيل الحياة اليومية، ويعيد تشكيل مفهوم الاستقرار لديهم في سياق بالغ الهشاشة.
كانت محافظة إب، قبل سنوات، تمثل بيئة شبه مستقرة مقارنة بغيرها من مناطق اليمن، لكن مع سيطرة مليشيا الحوثي عليها وتصاعد الانتهاكات وتدهور الوضع الاقتصادي وتضييق الحريات، أصبحت بيئة طاردة لآلاف الأسر التي وجدت نفسها مجبرة على المغادرة نحو مناطق يفترض أنها أكثر أماناً. غير أن هذا الانتقال لم يكن سوى بداية لمعاناة جديدة، لا تقل تعقيداً وتشابكاً في مدن مثل عدن وتعز ومأرب، حيث تتداخل الأزمات الاقتصادية والإنسانية والخدمية بشكل يضاعف من وطأة النزوح.
في مأرب، التي تحولت إلى أكبر تجمع للنازحين في اليمن، تتجلى صورة النزوح في أكثر أشكالها قسوة. آلاف الأسر القادمة من إب تعيش في مخيمات ممتدة على أطراف المدينة، حيث الخيام المهترئة التي لا تصمد أمام تقلبات الطقس، والحر الشديد الذي يحولها إلى أفران في الصيف، والبرد القارس الذي يتسلل إليها في الشتاء بلا رحمة. في هذه البيئة الهشة، تتقاسم الأسر مساحات ضيقة، وتكافح لتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية.
الحياة في المخيمات ليست مجرد معاناة يومية، بل هي اختبار مستمر للبقاء. المياه النظيفة شحيحة، والخدمات الصحية محدودة، والتعليم شبه غائب، ما يجعل الأطفال أكثر الفئات تضرراً.
كثير من الأسر اضطرت إلى إخراج أبنائها من المدارس، إما لعدم توفرها أو لعدم القدرة على تحمل تكاليفها، ليدخل هؤلاء الأطفال مبكراً في دائرة العمل، في محاولة لدعم أسرهم التي فقدت مصادر دخلها.
ورغم أن مأرب توصف بأنها ملاذ آمن نسبياً، إلا أن الضغط السكاني الكبير فاق قدرة المدينة على الاستيعاب، ما أدى إلى تراجع مستوى الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل ملحوظ.
ومع محدودية فرص العمل، يجد النازح نفسه عالقاً بين الحاجة للعمل وغياب الفرص، في معادلة قاسية تدفع البعض إلى القبول بأعمال شاقة بأجور زهيدة، أو الاعتماد الكامل على المساعدات الإنسانية التي لا تكفي لسد الاحتياجات الأساسية.
في تعز، تبدو الصورة مختلفة في الشكل، لكنها لا تقل قسوة في المضمون. المدينة التي تعيش تحت وطأة حصار طويل وصراع مستمر، تستقبل النازحين في بيئة تعاني أصلاً من ضعف البنية التحتية وندرة الموارد. هنا، لا توجد مخيمات واسعة كالتي في مأرب، بل ينتشر النازحون في أحياء مكتظة ومبانٍ ودكاكين غير مهيأة للسكن، حيث تتقاسم عدة أسر شققاً صغيرة أو غرفاً ضيقة، في ظروف تفتقر للخصوصية والحد الأدنى من مقومات العيش الكريم.
النازح في تعز يواجه تحدياً مزدوجاً فهو لا يعاني فقط من آثار النزوح، بل أيضاً من واقع المدينة المثقلة بالأزمات: أسعار المواد الغذائية مرتفعة، والخدمات الصحية محدودة، والمياه شحيحة، فيما الكهرباء غير متوفرة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح تأمين الاحتياجات اليومية مهمة شاقة تتطلب جهداً مضاعفاً، في وقت تغيب فيه مصادر الدخل الثابتة.
أما في عدن، التي يفترض أنها العاصمة المؤقتة ومركز الخدمات، فإن المعاناة تأخذ بعداً آخر. فبرغم الاستقرار النسبي مقارنة بمناطق اخري، إلا أن المدينة تعاني من انهيار واضح في الخدمات الأساسية، وارتفاع حاد في تكاليف المعيشة، خصوصاً الإيجارات التي تشكل العبء الأكبر على النازحين. كثير من الأسر القادمة من إب وجدت نفسها غير قادرة على تحمل تكاليف السكن، ما دفعها إلى اللجوء إلى خيارات قاسية، كالسكن في مبانٍ مهجورة أو مدارس أو عشش عشوائية تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
العمل في عدن ليس متاحاً للجميع، خصوصاً للنازحين الذين يفتقرون إلى العلاقات أو المهارات المطلوبة في سوق العمل المحلي. ومع تزايد أعداد الباحثين عن فرص محدودة، تتراجع فرص الحصول على عمل مستقر، ما يدفع البعض إلى الانخراط في أعمال يومية غير مستقرة، أو البقاء دون عمل لفترات طويلة، في انتظار فرصة قد لا تأتي.
وراء هذه الصور المتباينة، تتوحد المعاناة الإنسانية في جوهرها. فالنزوح لا يعني فقط فقدان المنزل، بل فقدان الإحساس بالأمان والاستقرار والانتماء.
كثير من الأسر النازحة تعيش حالة من القلق الدائم بشأن المستقبل، في ظل غياب أفق واضح للعودة أو إعادة التوطين. هذا القلق يتفاقم مع مرور الوقت، ليتحول إلى ضغط نفسي مستمر يؤثر على مختلف جوانب الحياة.
النساء والأطفال هم الأكثر تأثراً في هذه المعادلة. فالنساء يواجهن أعباء مضاعفة، بين رعاية الأسرة والبحث عن مصادر دخل، في بيئة تفتقر للحماية الكافية. أما الأطفال، فيجدون أنفسهم محرومين من التعليم والحياة الطبيعية، معرضين لمخاطر متعددة.
المنظمات الإنسانية تلعب دوراً مهماً في تخفيف حدة الأزمة، لكنها تواجه تحديات كبيرة، من بينها نقص التمويل وصعوبة الوصول إلى بعض الاحياء والمناطق، إضافة إلى حجم الاحتياجات المتزايد الذي يفوق قدراتها.
المساعدات التي تقدم، رغم أهميتها، تظل غير كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية لجميع النازحين، ما يترك فجوات كبيرة في الاستجابة الإنسانية.
في هذا السياق، يبرز غياب الحلول المستدامة كأحد أبرز التحديات. فالتعامل مع النزوح غالباً ما يقتصر على الاستجابة الطارئة، دون معالجة جذور المشكلة أو العمل على إيجاد حلول طويلة الأمد، سواء من خلال دعم سبل العيش أو تحسين البنية التحتية أو توفير فرص التعليم والعمل. هذا القصور يجعل من النزوح حالة ممتدة، بدل أن يكون مرحلة انتقالية نحو الاستقرار.
قصص النازحين من إب في عدن وتعز ومأرب ليست مجرد أرقام في تقارير إنسانية، بل هي حكايات يومية لأناس يحاولون التكيف مع واقع قاسٍ، دون أن يفقدوا الأمل بالكامل. بعضهم لا يزال يحلم بالعودة إلى منزله في إب، رغم إدراكه أن الطريق إلى ذلك قد يكون طويلًا ومعقداً، آخرون بدأوا يتقبلون فكرة الاستقرار المؤقت في مناطق النزوح، في محاولة لإعادة بناء حياتهم من جديد، ولو بحدها الأدنى.
غير أن هذا التكيف لا يعني زوال المعاناة، بل هو شكل من أشكال التعايش معها. فكل يوم يمر يحمل معه تحديات جديدة، من تأمين الغذاء إلى مواجهة المرض، ومن البحث عن عمل إلى محاولة الحفاظ على تماسك الأسرة. وفي ظل غياب حلول جذرية، يبقى النازحون عالقين في دائرة مغلقة من الاحتياجات والانتظار.
إن ما يعيشه نازحو محافظة إب في مدن النزوح الثلاث يعكس صورة أوسع للأزمة الإنسانية في اليمن، حيث تتداخل العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتنتج واقعاً معقداً يصعب تفكيكه.
وبينما تستمر هذه الأزمة، يظل السؤال الأهم معلقاً: إلى متى سيبقى النزوح قدراً مفروضاً على هؤلاء، وإلى متى سيظل البحث عن الأمان رحلة بلا نهاية واضحة؟
في النهاية، لا يمكن النظر إلى معاناة النازحين بمعزل عن السياق العام للأزمة في البلاد، لكن ذلك لا يقلل من الحاجة الملحة لتحسين أوضاعهم بشكل فوري، والعمل على توفير بيئة أكثر استقراراً تضمن لهم الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. فالنزوح، مهما طال، لا ينبغي أن يتحول إلى حالة دائمة، ولا إلى واقع يُفرض على أجيال كاملة دون أفق للخروج منه.