من هرمز إلى عدن.. البحر الأحمر في فك كماشة التهديد المزدوج للحوثيين وتحالف قراصنة الصومال
حذّر تقرير نشرته مجلة ناشونال إنترست، من تصاعد جديد وخطير في نشاط القرصنة قبالة السواحل الصومالية، في وقت تركز فيه الولايات المتحدة جهودها العسكرية والبحرية على مضيق هرمز، ما يفتح الباب أمام تهديد ممر تجاري بحري حيوي آخر في البحر الأحمر وخليج عدن.
وبحسب التقرير، الذي نقلته إلى العربية وكالة خبر، فإن القرصنة التي كانت قد انحسرت منذ ذروتها في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عادت للظهور مجددًا منذ أبريل/نيسان الماضي، مستفيدة من التحولات الجيوسياسية الراهنة، وفي مقدمتها الحرب الإيرانية وتعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز. وأكد التقرير أن ممر البحر الأحمر بات يواجه تهديدًا مزدوجًا، يتمثل في تصاعد هجمات الحوثيين من جهة، وعودة القراصنة الصوماليين من جهة أخرى.
وأوضح التقرير أن قراصنة صوماليين شنوا، منذ أبريل/نيسان، حملة اختطاف استهدفت ناقلات نفط وسفن شحن تجارية، في أخطر موجة من نوعها منذ أكثر من عشر سنوات. واعتبر أن هذه التطورات تمثل تهديدًا مباشرًا للاقتصاد العالمي والأمن الإقليمي، كونها تعرقل تجارة النفط ومشتقاته، وتزيد من كلفة الشحن والتأمين، فضلًا عن تداعياتها الأمنية الأوسع.
اختطاف سفن قبالة بونتلاند
وأشار التقرير إلى أنه في الفترة بين 21 أبريل/نيسان و2 مايو/أيار، اختطف قراصنة أربع سفن قبالة سواحل ولاية بونتلاند شمال الصومال، وهي منطقة معروفة تاريخيًا بأنها بؤرة للقرصنة البحرية. وبيّن أن ثلاثًا من السفن المختطفة كانت سفنًا دولية كبيرة، اثنتان منها ناقلتا نفط، بينما كانت الثالثة تحمل شحنة من الأسمنت.
ووفقًا للتقرير، جرى اقتياد السفن، التي يقل كل منها أكثر من اثني عشر بحارًا، باتجاه السواحل الصومالية، في نمط يعيد إلى الأذهان سيناريوهات القرصنة التي سادت قبل أكثر من عقد. ولفت إلى أن وتيرة هذه العمليات لم تُسجل بهذا الشكل منذ عام 2012 على الأقل.
مخاوف من تصعيد أوسع
ورغم أن موجة القرصنة الحالية لا تزال في مراحلها الأولى، حذّر التقرير من إمكانية تصاعدها إلى مستويات أكثر خطورة، مشيرًا إلى أن القراصنة الصوماليين، في ذروة نشاطهم السابق، كانوا ينفذون عمليات اختطاف شبه أسبوعية لسفن الشحن وناقلات النفط الدولية.
وأوضح أن تلك الهجمات كلّفت الاقتصاد العالمي نحو 7 مليارات دولار في عام 2011، نتيجة ارتفاع أقساط التأمين، التي زادت كلفة الرحلة الواحدة بما يصل إلى 100 ألف دولار، إضافة إلى اضطرار العديد من السفن إلى تجنب البحر الأحمر وسلوك طريق رأس الرجاء الصالح الأطول والأكثر كلفة.
وأكد التقرير أن تكرار هذه السيناريوهات اليوم سيؤدي إلى النتائج ذاتها، من مصادرة بضائع ثمينة، وارتفاع أسعار التأمين، وزيادة تكاليف الشحن، ما سينعكس سلبًا على سلاسل الإمداد العالمية.
دور الجماعات المتطرفة
وتوقف التقرير عند المخاطر الأمنية الأوسع، مشيرًا إلى أن حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة سبق أن استغلت موجة القرصنة السابقة لتحقيق مكاسب مالية كبيرة، عبر تزويد القراصنة بالسلاح وتوفير ملاذات آمنة مقابل حصة من الأرباح.
وحذّر من احتمال تكرار هذا السيناريو، لافتًا إلى أن مسؤولًا أمنيًا محليًا نبّه إلى أن القراصنة قد يندمجون مع حركة الشباب أو مع تنظيم الدولة الإسلامية في الصومال في حال لم يتم احتواء هذا التهديد. واعتبر التقرير أن ذلك من شأنه تعزيز قدرات الحركة المالية والعسكرية، بما يهدد الأمن الإقليمي والمصالح الأمريكية بشكل مباشر.
وأضاف أن تنامي موارد حركة الشباب قد يمكّنها من توسيع هجماتها ضد المصالح والمواطنين الأمريكيين في شرق إفريقيا، بل وربما التخطيط لهجمات خارج المنطقة، كما حدث في السابق. كما أشار إلى احتمال استخدام القرصنة كوسيلة لتعزيز العلاقات المتنامية بين الحركة والحوثيين في اليمن، بما يشكل تهديدًا بحريًا أكثر تعقيدًا.
ولفت التقرير إلى تقرير أممي غير مؤكد، أفاد بأن حركة الشباب عرضت في عام 2024 زيادة وتيرة القرصنة مقابل الحصول على أسلحة وتدريب من الحوثيين.
انشغال دولي وتراجع الردع
ورأى التقرير أن عودة القرصنة تأتي في وقت يبدو فيه المجتمع الدولي أكثر انقسامًا وانشغالًا مقارنة بالفترة السابقة. ففي أواخر العقد الأول وبدايات العقد الثاني من الألفية، قادت الولايات المتحدة وأوروبا مبادرات متعددة الأطراف نجحت في حشد عشرات الدول، إلى جانب فاعلين محليين في الصومال، لمكافحة القرصنة.
وبفضل تلك الجهود، إلى جانب مبادرات من القطاع الخاص، انخفضت عمليات القرصنة بشكل حاد منذ عام 2012، ولم تُسجل سوى عملية اختطاف مؤكدة واحدة بين عامي 2014 و2022. غير أن التقرير أشار إلى أن القراصنة بدأوا إعادة تنظيم صفوفهم منذ عام 2023، مع تحول الاهتمام الدولي نحو مواجهة الحوثيين وتنظيم الدولة الإسلامية، ثم تصاعد الحرب الإيرانية وتعطيل مضيق هرمز.
وأكد التقرير أن تعطّل الملاحة في مضيق هرمز يبرز الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر كممر بديل، محذرًا من أن أي اضطرابات إضافية في هذا الطريق ستفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية. وذكر أن التقديرات تشير إلى احتمال ارتفاع أسعار الأسمدة والوقود عالميًا في عام 2026 بنسبة 31% و24% على التوالي، في حال استمرار تعطل هرمز.
وأضاف أن البحر الأحمر يمثل ما يصل إلى 30% من تجارة الحاويات العالمية، بما في ذلك السلع الإلكترونية والصناعية الرئيسية، ما يجعل استقراره عاملًا حاسمًا للاقتصاد العالمي.
دعوات لتحرك أمريكي ودولي
ودعا التقرير الولايات المتحدة إلى التحرك العاجل لاحتواء عودة القرصنة، معتبرًا أن معالجة التهديد في مراحله المبكرة أقل كلفة من السماح بتفاقمه. وأشار إلى أن الخطوة الأولى ينبغي أن تركز على دعم القوات الصومالية المحلية، وفي مقدمتها قوات شرطة بونتلاند البحرية.
وأوضح أن الإمارات العربية المتحدة كانت الداعم الرئيسي لهذه القوات منذ تأسيسها، بتمويل سنوي يُقدّر بنحو 50 مليون دولار، إلا أن هذه الشراكة تواجه تحديات متزايدة بسبب التوترات السياسية بين أبوظبي والحكومة الفيدرالية الصومالية، إضافة إلى الدور المحوري الذي تلعبه هذه القوات في حملات مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية المدعومة أمريكيًا.
ورأى التقرير أن على واشنطن استثمار علاقاتها مع حكومة بونتلاند والحكومة الفيدرالية الصومالية لتعزيز قدرات هذه القوات وضمان استمرار فعاليتها في مكافحة القرصنة.
كما دعا التقرير الولايات المتحدة إلى حث حلفائها في حلف شمال الأطلسي وشركائها الدوليين على تكثيف الدوريات البحرية في خليج عدن والمحيط الهندي. ولفت إلى أن الناتو سبق أن نفذ دوريات ناجحة لمكافحة القرصنة ضمن عملية «درع المحيط» بين عامي 2009 و2016.
وأشار أيضًا إلى أن لدول إقليمية مصالح مباشرة في تأمين هذا الممر، من بينها مصر التي تعتمد على عائدات قناة السويس، وتركيا التي تنفذ مشاريع للتنقيب عن النفط في المياه الصومالية.
وخلص التقرير إلى أن الثغرات الأمنية في البحر الأحمر تشجع القراصنة الصوماليين على تنفيذ هجمات أكثر جرأة، محذرًا من أن استمرار هذا الوضع يهدد الاقتصاد العالمي وقد يعزز قدرات أحد أخطر فروع تنظيم القاعدة. وأكد أن القرصنة تمثل تهديدًا قابلًا للاحتواء إذا ما تحركت الولايات المتحدة وشركاؤها بسرعة وحزم.
وشدد على أن انشغال واشنطن بتعطّل أحد طرق التجارة البحرية الرئيسية لا ينبغي أن يكون مبررًا للسماح بزعزعة استقرار ممر تجاري عالمي آخر لا يقل أهمية.