إب في مواجهة التجريف الحوثي.. الغضب الشعبي يتصاعد ضد الإساءات الطائفية لرموز الإسلام

اجتاحت محافظة إب موجة عارمة من الاستياء والغضب الشعبي الواسع النطاق، على خلفية انبعاث مظاهر التطرف الطائفي والدخيل على البيئة الفكرية والاجتماعية لليمنيين، والتي تجسدت مؤخراً في قيام قيادات حوثية بالإساءة العلنية والمباشرة لصحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم.. وتأتي هذه التطورات الميدانية المتسارعة لتعكس حجم الهوة الآخذة في الاتساع بين التوجهات العقائدية للمليشيا والهوية الدينية الوطنية الجامعة لأبناء المحافظة، الذين عبّروا بمختلف شرائحهم عن رفضهم القاطع لتحويل مناطقهم إلى ساحات لبث السموم المذهبية واستهداف الرموز التاريخية للإسلام، الأمر الذي ينذر بمزيد من الاحتقان المجتمعي والسياسي في واحدة من أكثر المحافظات اليمنية كثافة سكانية وحيوية ثقافية.

 

تفاصيل المقطع المصور الذي أشعل فتيل الاحتجاجات

بدأت تفاصيل الحادثة بالانفجار إلى العلن عقب تداول ناشطين وحسابات محلية على منصات التواصل الاجتماعي مقطعاً مرئياً جرى توثيقه ورصده على نطاق واسع جداً، حيث ظهر في المقطع عدد من الشخصيات والمسؤولين الإداريين والمشرفين الاجتماعيين الموالين للمليشيا في محافظة إب وهم يرددون بصوت جماعي وعلني هتافات هابطة وعبارات شتم وانتقاص جارحة تستهدف بشكل مباشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لا سيما الذين اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة بعد الوفاة النبوية، وقد شكل هذا المظهر صدمة قاسية للرأي العام المحلي لما تضمنه من جرأة غير مسبوقة على المعتقدات الأساسية وتجاوز لكل الخطوط الحمراء التي التزم المجتمع اليمني باحترامها وتوقيرها على مر القرون والعصور، وتداول المواطنون المقطع كدليل إدانة دامغ يسلط الضوء على عمق الممارسات التعبوية الموجهة لضرب السلم الأهلي والتعايش السكاني.

الهوية الوظيفية للمتورطين 

لم تقتصر فداحة الواقعة على طبيعة الألفاظ والمصطلحات المستخدمة فحسب، بل ضاعف من وطأتها الهوية الوظيفية والمكانة الإدارية للشخصيات المتورطة فيها، إذ كشفت المصادر والتقارير المتطابقة عن قيادة وتصدر من ينتحل صفة مدير مكتب الصحة العامة والسكان بمحافظة إب المدعو نجيب الكامل لهذه المجموعات، فضلاً عن مشاركة المسؤول الاجتماعي الحوثي في مديرية ذي السفال المدعو أحمد هزاع النوعة برفقته مع عدد آخر من الموظفين والمشرفين التابعين للمليشيا.. وتكمن الخطورة هنا في أن هؤلاء الأفراد يمثلون الواجهة الرسمية والتنفيذية لسلطة الأمر الواقع في المحافظة، ويتحكمون بمؤسسات خدمية وصحية يفترض بها تقديم الرعاية لعامة الشعب دون تمييز أو تحيز عقائدي، مما يعطي مؤشراً واضحاً على مدى تغلغل الفكر الإقصائي الطائفي في مفاصل الجهاز الإداري للدولة وتسخيره لخدمة أجندة حزبية ضيقة.

المناسبات المذهبية.. بيئة خصبة للتحريض العقائدي

أشارت القراءات التحليلية للمشهد الميداني في إب إلى أن هذه الحادثة لم تكن وليدة الصدفة أو سلوكاً فردياً عابراً، بل جاءت صلب التعبئة المستمرة وضمن سياق الفعاليات واللقاءات الطائفية المكثفة التي تفرضها المليشيا قسرياً على الموظفين والمواطنين بمناسبة ما تطلق عليه اسم يوم الولاية، وتستغل المليشيا هذه المناسبات والمنابر لتمرير خطابات تحريضية وتعميم رؤى مذهبية متطرفة وتوزيع ملازم تعبوية تستهدف البنية الثقافية والاجتماعية الأصلية للمجتمع اليمني، حيث تجبر الكوادر الطبية والتعليمية والإدارية على الحضور والاستماع إلى أطروحات تنتقص من الرموز الإسلامية وتعمل على تقسيم المجتمع على أسس سلالية وطبقية ومذهبية، مما يحول البيئة العامة إلى منطلق مستمر للتوتر والنزاع الفكري والاجتماعي.

 

موقف الشارع والفعاليات المدنية من السلوك الاستفزازي

توالت ردود الأفعال الشعبية والمدنية المستنكرة بقوة لهذه التصرفات والعبارات غير المسؤولة، وصدرت مواقف متعددة عن أهالي محافظة إب وشيوخها الأعيان، إضافة إلى أوساط واسعة من الإعلاميين والناشطين والحقوقيين ورواد منصات التواصل الاجتماعي الذين اعتبروا هذا السلوك انحداراً أخلاقياً سافراً وسلوكاً استفزازياً متعمداً يمس في الصميم الثوابت الدينية الكبرى والهوية الوطنية والعروبية الحاضنة لأبناء اليمن، وأكدوا في بيانات وتصريحات متفرقة أن مجتمع إب عُرف على الدوام والدوام التاريخي بوسطيته واعتداله وقيم التسامح والتآخي والابتعاد الكامل عن الغلو، مذكرين بأن مثل هذه الممارسات الطارئة والغريبة تسعى بوضوح إلى تمزيق النسيج الاجتماعي وإشعال الفتن الداخلية لضمان استمرار السيطرة والهيمنة بالقوة عبر صناعة عداوات فكرية ومجتمعية وافتعال أزمات جانبية تشغل الناس عن معاناتهم المعيشية والاقتصادية اليومية.

موجة التنديد الواسع 

حظيت هذه الواقعة بتغطية ومتابعة إعلامية مكثفة من قبل وسائل الإعلام المحلية والوكالات الإخبارية والقنوات الفضائية اليمنية التي أفردت مساحات واسعة لرصد تفاعلات الشارع ونقل مشاعر السخط الشعبي المتنامي، حيث واكبت منصات ووكالات مثل وكالة خبر وقناة اليمن اليوم تداعيات انتشار التسجيل المرئي، وعملت على تحليل دلالاته السياسية والاجتماعية والدينية، وركزت التغطيات التلفزيونية والصحفية على إبراز الفجوة العميقة بين سلطة المليشيا والجماهير، موضحة كيف تعجز هذه المليشيا عن توفير الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء والرواتب وحلول للأزمات المعيشية الخانقة بينما تبذل جهوداً هائلة وأموالاً طائلة لتنظيم فعاليات طائفية تستفز بها معتقدات المواطنين وتصنع شروخاً غائرة في بنية التعايش الأهلي المستقر منذ قرون.

 

التبعات والآثار المحتملة 

يحذر مراقبون ومحللون للشأن اليمني من التبعات الكارثية المستمرة لسياسة الشحن الطائفي والاستمرار في النيل من المقدسات والرموز الإسلامية الجامعة، ويرى الخبراء أن إصرار القيادات والمشرفين الحوثيين على المجاهرة بسب الصحابة الكرام وفرض هذه الأفكار بالقوة والترهيب الإداري والوظيفي داخل المرافق الحكومية والتعليمية بمحافظة إب وغيرها من المناطق، سيؤدي حتماً إلى تآكل ما تبقى من دعائم السلم الأهلي وتوليد كراهية مجتمعية عميقة قد تمتد لجيل كامل، إذ يتحول الصراع أكثر عمقاً وتأثيراً على السلم الاجتماعي وتأجيج الصراع إلى نزاع وجودي ديني يمس الوجدان والمعتقد والكرامة الإنسانية، وهو ما يجعل مواجهة هذه السلوكيات مسؤولية تقع على عاتق كل المكونات الفكرية والاجتماعية في البلاد حماية للمستقبل وتأميناً للأجيال القادمة من الانزلاق نحو صراعات طائفية لا تبقي ولا تذر.