ثورة الوعي اليمني: لا سلام مستدام دون إسقاط الانقلاب الحوثي وتحرير صنعاء
يقف اليمن اليوم بكل تفاصيله، الجغرافية والسياسية، أمام لحظة فارقة وتاريخية من النضال الوطني، إذ لم تعد المسألة مجرد أزمة سياسية قابلة للحلول الوسطى أو جولات التفاوض العقيمة، بل تحولت إلى قضية وجود ومصير لشعب بأكمله يواجه معاناة إنسانية غير مسبوقة.. وتأتي هذه التطورات المتسارعة في ظل انسداد تام للأفق السياسي وفشل كافة المقاربات الإقليمية والدولية التي حاولت على مدى السنوات الماضية المزاوجة بين إرضاء المليشيات الحوثية الانقلابية، والحفاظ على الحد الأدنى من كيان الدولة اليمنية المعترف بها دولياً.
ومع استمرار هذا الانسداد ووصول جولات التفاوض المتعددة إلى طريق مسدود تبرز في الأفق ثورة وعي يمنية متكاملة الأركان تتجاوز الانتماءات الحزبية والمناطقية الضيقة لتشكل جبهة عريضة من الوعي الشعبي، والنخب الفكرية والأكاديمية والسياسية والقبائل وجموع المواطنين في مختلف المدن اليمنية، سواءً تلك الرازحة تحت وطأة القمع الحوثي أو تلك الواقعة في نطاق المحافظات المحررة، حيث يتحد الجميع في منصة واحدة هي فضاء التواصل الاجتماعي الواسع والميادين العامة لرفع صوت موحد يطالب بإنهاء هذا الكابوس وإسقاط الانقلاب واستعادة الدولة ومؤسساتها الشرعية وعلى رأسها العاصمة التاريخية صنعاء باعتبارها الحصن والمنطلق الوحيد لإرساء سلام حقيقي ومستدام ينهي مأساة اليمنيين ويحفظ كرامتهم وهويتهم العربية الأصيلة.
خناق معيشي وتدهور شامل يوقظ الغضب الشعبي
إن المحرك الأساسي لهذا الحراك الجماهيري المتصاعد هو تدهور الأوضاع المعيشية والصحية والتعليمية والأمنية، التي بلغت حداً لا يمكن التعايش معه أو السكوت عليه، ففي المناطق الواقعة تحت سيطرة المليشيات الحوثية، يعيش المواطنون تحت وطأة إرهاب منظم وجوع ممنهج، يتمثل في نهب الرواتب ومصادرة الممتلكات وفرض الإتاوات الجائرة، وتجريف الهوية الوطنية، من خلال مناهج تعليمية طائفية تسعى لتفخيخ عقول الأجيال القادمة، وتحويل المدارس إلى معسكرات، لتجنيد الأطفال وتحميل الأسر أعباء فوق طاقتها المادية، ناهيك عن الانهيار الكامل للمنظومة الصحية، وانتشار الأوبئة وتفشي الجريمة، والملاحقات الأمنية لكل صوت يطالب بالحقوق الأساسية، وفي المقابل لا يبدو الوضع، في المحافظات المحررة بعيداً عن المعاناة، حيث يعيش المواطنون أزمة اقتصادية خانقة جراء الانهيار التاريخي للعملة الوطنية وضعف الخدمات الأساسية، كالكهرباء والمياه وتراجع الأداء الحكومي في مواجهة التحديات الاقتصادية، مما ضاعف من حجم الضغوط المعيشية، على كاهل المواطن البسيط.
هذا الواقع المأساوي المشترك، في جغرافية الوطن ولد قناعة راسخة لدى الشارع اليمني بأن استمرار الوضع الراهن، أو القبول بتسويات هشة هو حكم بالموت البطيء على الشعب، مما جعل ثورة الوعي الراهنة تنطلق من عمق الحاجة الإنسانية والكرامة الوطنية، لتعلن بوضوح أن إسقاط الانقلاب، هو المدخل الإجباري للإصلاح والإنقاذ البنيوي الشامل.
المجلس الرئاسي والحكومة الشرعية أمام استحقاقات المسؤولية الوطنية
تتجه عيون اليمنيين وثورتهم الواعية صوب مجلس القيادة الرئاسي والحكومة الشرعية، المعترف بها دولياً، لمطالبتهم بالنهوض الفوري والمسؤول بالدور الوطني والأخلاقي، الذي اؤتمنوا عليه أمام الله والشعب.. ويرى الشارع اليمني، أن مرحلة التبريرات والانتظار قد انتهت ولا بد من الانتقال إلى مربع الفعل الحاسم، من خلال توحيد كافة الجهود السياسية والعسكرية الاقتصادية، تحت مظلة واحدة وهدف استراتيجي لا محيد عنه وهو تحرير العاصمة صنعاء، وإنهاء التمرد..
وتطالب النخب اليمنية القيادة الشرعية، بإجراء إصلاحات جذرية في مؤسسات الدولة ومكافحة الفساد، وتفعيل الأجهزة الرقابية وإعادة تنظيم الملف الاقتصادي، لوقف تدهور العملة وتحسين الظروف المعيشية، في المناطق المحررة لتقديم نموذج جاذب للدولة والنظام والقانون. كما تشدد المطالبات على ضرورة دمج كافة التشكيلات العسكرية والأمنية تحت قيادة غرف عمليات مشتركة وتابعة لوزارتي الدفاع والداخلية، وتوجيه كل المقدرات والترسانة العسكرية نحو الجبهات لمواجهة العدو الحوثي المشترك، فالشعب اليمني يطالب قادته اليوم بامتلاك زمام المبادرة والتحلي بالشجاعة التاريخية لاتخاذ قرارات مصيرية تلبي تطلعات الملايين، الذين ضحوا بدمائهم وأموالهم، من أجل استعادة جمهوريتهم المسلوبة وضمان مستقبل أفضل لأبنائهم.
التحالف الإقليمي والمجتمع الدولي في ميزان المطالب السيادية
لم تقتصر رسائل ثورة الوعي اليمنية على الداخل، بل امتدت بقوة وصراحة إلى المجتمع الإقليمي، والدول الراعية للملف اليمني، حيث يطالب اليمنيون أشقاءهم، وأصدقاءهم بإنقاذ البلاد بشكل عاجل وجاد من براثن الانقلاب الحوثي والإرهاب العابر للحدود.. وتؤكد النخب اليمنية، في أطروحاتها عبر منصات الإعلام والتواصل الاجتماعي، أن الملف اليمني، يجب ألا يُختزل أو يُستخدم كأداة ضغط أو ورقة للتسويات السياسية، والمقايضات سواء مع النظام الإيراني، في إطار ملفاته الإقليمية والدولية، أو مع المليشيات الحوثية نفسها، التي أثبتت الأيام عدم جديتها أو التزامها، بأي عهود أو اتفاقيات. ويرى المراقبون أن سياسة استرضاء الحوثيين، أو محاولة احتوائهم دبلوماسياً، قد منحتهم الوقت الكافي لتعزيز قدراتهم العسكرية، وتهديد الأمن القومي لليمن، ودول الجوار بل وتهديد خطوط الملاحة الدولية، في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مما أضر بالاقتصاد العالمي. وعليه فإن المطالب الجماهيرية تدعو الأشقاء في التحالف والمجتمع الدولي إلى تصحيح مسار التعامل مع الأزمة من خلال تقديم دعم عسكري ونوعي ولوجستي شامل ومستدام للجيش الوطني والمقاومة الشعبية، لحسم المعركة على الأرض وفرض السلام بقوة الحق والقانون الدوليين.
صنعاء عاصمة الجمهورية ومفتاح السلام الحتمي والدائم
تتركز الرؤية اليمنية والشعبية المجتمعية والسياسية حول حقيقة جوهرية لا تقبل القسمة أو التشكيك، وهي أن العاصمة صنعاء هي قلب اليمن النابض ومركز ثقله السياسي والتاريخي، ومن دون استعادتها وتطهيرها من دنس المليشيات الطائفية، لن يكون هناك يمن مستقر أو سلام حقيقي، فالحديث عن تسويات سياسية تبقي صنعاء تحت سيطرة الحوثيين وتشرعن سلطتهم الانقلابية، هو مجرد وهم وتأجيل لانفجارات وحروب قادمة، ستكون أكثر تدميراً وضراوة.
وتشير الصياغات الفكرية لرواد ثورة الوعي إلى أن صنعاء هي المنطلق الوحيد والضروري للسلام العادل، الذي يحفظ لليمنيين كرامتهم وحريتهم ونظامهم الجمهوري، وينهي ثقافة التمييز والطبقية وأوهام الحق الإلهي في الحكم التي تحاول المليشيا فرضها بقوة السلاح، ولذلك فإن الشارع اليمني يرفض رفضاً قاطعاً أي مشاريع للتقسيم أو الفدرة الهشة أو تشكيل حكومات محاصصة، قبل إنهاء كافة مظاهر الانقلاب الحوثي، وتسليم السلاح الثقيل والمتوسط للدولة وعودة مؤسساتها الدستورية والسياسية للعمل من العاصمة الأم صنعاء، لتشرف على مرحلة انتقالية حقيقية تبني اليمن الجديد، القائم على المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية.
الفضاء الرقمي والوعي الجمعي في معركة التحرير الفكري
لقد لعب الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تشكيل وبث هذه الروح الوطنية، الجديدة حيث تحولت الحسابات الشخصية والمجموعات والنقاشات الافتراضية لرواد هذه المنصات إلى غرف عمليات فكرية وتوعوية نجحت في تعرية وفضح الأكاذيب الحوثية، وكشفت حجم الانتهاكات والمآسي الإنسانية التي يتعرض لها المواطنون، وتكاملت هذه الجهود الرقمية لتصنع وعياً جمعياً يرفض الاستسلام لواقع المعاناة أو القبول بالمهدئات السياسية المؤقتة، وأصبح لسان حال المواطن اليمني يبحث عن الحل الجذري والنهائي، المتمثل في استعادة الدولة والجمهورية.
وتؤكد النخب أن هذا الحراك الرقمي والشعبي ليس مجرد زوبعة عابرة، بل هو تعبير أصيل عن إرادة أمة ترفض الموت والكهنوت، وتتطلع للحرية والحياة الكريمة.. وهو بمثابة التفويض الشعبي المتجدد للقيادة الشرعية، والتحالف العربي والدولي، للمضي قدماً في طريق الحسم، وتجاوز كل العوائق والضغوط الدولية، التي تحاول إبقاء اليمن في حالة لا سلم ولا حرب تخدم المشاريع التدميرية التوسعية في المنطقة.
العهد الوطني لغد مشرق
تتضافر الآمال الشعبية والنخبوية، في اليمن لتشكل عهداً وطنياً وثيقاً لا يلين، يرسم معالم الطريق نحو المستقبل المأمول، متجاوزاً مرارات الحاضر وعثرات الماضي وتثبت الوقائع المتلاحقة..
إن إرادة الشعوب هي الأقوى وإن ثورة الوعي التي تجتاح مدن اليمن من يوم لآخر، وقراه وفضاءه الرقمي هي الضمانة الأساسية لحماية الثوابت الوطنية، والدفاع عن المكتسبات النظامية والجمهورية.
إن المطالبة المستمرة بإسقاط الانقلاب، واستعادة الدولة وعاصمتها صنعاء، تظل البوصلة والميثاق المقدس، الذي يجب أن تلتف حوله كل القوى المناهضة للمشروع الإيراني الخبيث، وهي دعوة للتلاحم والعمل الجاد لصناعة فجر جديد يعيد لليمن السعيد أمنه واستقراره، ويضعه في مكانه الطبيعي والريادي ضمن محيطه العربي كدولة ذات سيادة، يحكمها القانون ويسودها العدل والمواطنة المتساوية بعيداً عن كابوس السلاح والدمار والتبعية الخارجية.