معضلة غياب القيادة والتهديد الحوثي الوجودي.. المسار الإجباري لخلاص اليمن من أزمته المركبة
يعيش اليمن واحدة من أكثر حقبه التاريخية قتامة ومأساوية؛ حيث تحولت البلاد إلى ساحة مفتوحة للصراع، وتلاشت ملامح الدولة الموحدة التي ناضل من أجلها اليمنيون لعقود طويلة.
لم يكن انهيار الدولة وليد الصدفة، بل جاء نتيجة مسارين متوازيين شكلا معاً كماشة أطبقت على خناق الشعب اليمني.
من جهة، يقف الانقلاب الحوثي السلالي كعدو أول ورئيس للنظام الجمهوري وللهوية الوطنية. ومن جهة أخرى، تقبع الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً ومجلس قيادتها الرئاسي في حالة من الاغتراب السياسي والغياب عن الميدان، مما خلق فجوة هائلة بين القيادة والقاعدة، وترك المواطن اليمني وحيداً في مواجهة الطحن اليومي للأزمات الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة.
الانقلاب الحوثي... الخنجر المسموم في خاصرة النظام الجمهوري
لا يختلف اثنان من قراء المشهد اليمني على أن مليشيا الحوثي تمثل الجذر الأساسي للكارثة اليمنية المعاصرة. فمنذ لحظة اجتياح العاصمة صنعاء، لم يكن المشروع الحوثي مجرد تمرد عسكري عابر، بل كان انقلاباً جذرياً يستهدف تقويض أسس النظام الجمهوري الذي تأسس عقب ثورة سبتمبر المجيدة.
تسعى المليشيا، عبر أدبياتها وممارساتها على الأرض، إلى إحياء نظام الإمامة القائم على فرز المجتمع طائفياً وعرقياً، واحتكار السلطة والثروة بناءً على ادعاءات الحق الإلهي والاصطفاء السلالي.
إن هذا الفكر لا يصطدم فقط بالمواطنة المتساوية، بل يمزق النسيج الاجتماعي اليمني الذي تميز بالتعايش لقرون طويلة.
ولم يتوقف الأمر عند تدمير الهوية السياسية، بل امتد ليكون الحوثيون المعول الأول في هدم مؤسسات الدولة؛ حيث جرى تجريف البنك المركزي، والسيطرة على مقدرات البلاد، وإيقاف مرتبات الموظفين، فضلاً عن تحويل المدارس والمنابر إلى منصات لتعبئة الأطفال وتغيير المناهج الدراسية لخدمة مشروعها الطائفي. هذا التدمير الممنهج جعل من الانقلاب الحوثي التهديد الوجودي الأول لليمن واليمنيين والمحيط الإقليمي.
مجلس القيادة ومحاولات الإنقاذ المتعثرة
أمام هذا التمدد الحوثي، تشكلت جبهة الشرعية اليمنية المدعومة بالتحالف العربي. ومع مرور السنوات وتراكم الإخفاقات السياسية والعسكرية لشرعية الرئيس الراحل عبده ربه منصور هادي جاءت نقطة التحول عبر مشاورات الرياض، التي أسفرت عن نقل السلطة وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي برئاسة الدكتور رشاد العليمي.
كان الإعلان عن تشكيل المجلس بارقة أمل لليمنيين؛ إذ ضم القوى الفاعلة على الأرض وتشكيلات عسكرية متباينة، وكان الهدف المعلن والواضح هو إنقاذ اليمن، وإنهاء الانقلاب الحوثي بكل الوسائل المتاحة، واستعادة مؤسسات الدولة وعاصمتها صنعاء.
بدا أن المعسكر المناهض للحوثيين قد تجاوز خلافاته البينية، وأن قيادة جماعية حاسمة ستتولى زمام المبادرة لترتيب البيت الداخلي سياسياً وعسكرياً واقتصادياً تمهيداً لمعركة الخلاص الشامل.
معضلة شرعية المنفى
رغم الوعود العريضة والأهداف السامية التي رافقت ولادة مجلس القيادة الرئاسي، إلا أن الواقع على الأرض سرعان ما كشف عن فجوة عميقة بين الطموحات والقدرة على التنفيذ، حيث تحولت الشرعية، بمجلسها وحكومتها، تدريجياً إلى ما يشبه حكومة في المنفى، تدار شؤونها في كثير من الأحيان من العواصم الخارجية بدلاً من الاستقرار الدائم في العاصمة المؤقتة عدن أو المحافظات المحررة.
هذا الاغتراب السياسي عن الميدان أفرز نتائج كارثية؛ حيث يشعر المواطن اليمني في الداخل بنوع من الخذلان واليأس، فالقادة المسؤولون عن توفير الخدمات والأمن وتحسين معيشته يقيمون خارج البلاد، مما اضعف الثقة الشعبية بأي قرارات أو توجهات تصدر عنهم.
أضف إلى ذلك، أدى غياب القيادة الموحدة عن الأرض إلى تغذية الصراعات الداخلية بين الفصائل المكونة للشرعية نفسها. فبدلاً من التركيز على العدو المشترك المتمثل في الحوثي، شهدت بعض المحافظات هزات سياسية وعسكرية وصراعات نفوذ بين القوى المنضوية تحت مظلة الشرعية.
إذ إن إدارة الشأن العام عبر تقنيات الاتصال أو الزيارات المتقطعة لا يمكن أن تبني نموذجاً جاذباً للدولة في المناطق المحررة، مما ترك الساحة للفوضى الأمنية وتدهور الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والصحة.
انهيار اقتصادي
بين مطرقة الجبروت الحوثي وسندان عجز الشرعية، يعيش اليمن انهياراً اقتصادياً وإنسانياً غير مسبوق في تاريخه الحديث. لقد تسببت الحرب والانقسام النقدي والمؤسسي بين صنعاء وعدن في تهاوي العملة الوطنية الريال اليمني إلى مستويات قياسية، مما أدى إلى غلاء فاحش في أسعار المواد الغذائية والوقود، وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين بالكامل.
وتشير التقارير الأممية والدولية إلى أن غالبية سكان اليمن باتوا بحاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، مع شبح مجاعة يهدد ملايين الأسر جراء نقص التمويل الحاد للمنظمات الإغاثية. وتدهور القطاع الصحي أدى بدوره إلى عودة وتفشي الأوبئة وسوء التغذية الحاد بين الأطفال.
هذا الوضع المأساوي هو النتيجة الحتمية لغياب نموذج الدولة الحقيقي؛ فالحوثي يستنزف الجبايات لتمويل مجهوده الحربي ومصالح سلالته، والشرعية تبدو عاجزة عن إصلاح الاختلالات المالية ووقف نزيف العملة وتأمين لقمة العيش للمواطن المقهور.
غياب الردع العسكري وجمود الجبهات
تلاشت مع الوقت استراتيجية الحسم العسكري ضد الميليشيات الحوثية، ودخلت البلاد في حالة من الهدنة غير الرسمية والجمود العسكري الطويل.
هذا الجمود منح مليشيات الحوثي فرصة ذهبية لالتقاط الأنفاس، وإعادة ترتيب صفوفها، وتحويل قدراتها العسكرية نحو تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر، والبحث عن أدوار إقليمية لتخفيف الضغط الداخلي عنها والهروب من استحقاقات الفشل الإداري والاقتصادي في مناطق سيطرتها.
في المقابل، تبدو الحكومة الشرعية ومجلسها الرئاسي في موقف دفاعي مستمر، يفتقر إلى المبادرة العسكرية أو الخطط الاستراتيجية لتحرير المحافظات المختطفة.
كما أن بقاء القوات العسكرية مشتتة الولاءات ومن دون قيادة موحدة حقيقية تحت مظلة وزارة الدفاع يجهض أي أمل في إحداث خرق ميداني يعيد التوازن لميزان القوى السياسي والعسكري، ويجبر المليشيا الحوثية على الانصياع لقرارات السلام العادل.
المسار الإجباري لاستعادة الدولة والجمهورية
إن تشخيص الواقع اليمني يفرض حقيقة واضحة لا يمكن القفز عليها: لا يمكن هزيمة المشروع الحوثي السلالي بحكومة مغتربة ومجلس قيادة مشتت الرؤى والغايات.
إذ إن أولى خطوات الإنقاذ الحقيقي تتطلب مغادرة مربع الشرعية من المنفى والانتقال الكامل والنهائي لكافة مسؤولي الدولة وقادة الأجهزة الأمنية والعسكرية إلى داخل التراب اليمني، للعيش مع المواطن ومشاركته معاناته اليومية وبناء نموذج جاذب للدولة والاستقرار والتنمية.
حيث إن استعادة اليمن والنظام الجمهوري لا تمر عبر البيانات الصحفية واللقاءات الدبلوماسية في العواصم الإقليمية والدولية، بل تصنعها الأقدام الثابتة على جبهات القتال، والسياسات الاقتصادية الحازمة في غرف البنك المركزي، والتوحيد الفعلي لكافة الفصائل تحت راية وطنية واحدة وعقيدة عسكرية جمهورية خالصـة.
وإن لم تستدرك الشرعية معضلة غيابها عن الميدان وتصحح مسارها الإداري والعسكري، فإن الانهيار اليمني سيستمر ليدفع ثمنه أجيال من اليمنيين، بينما يستمر الكابوس السلالي في تجريف ما تبقى من هوية اليمن وتاريخه ومستقبله.