ابتزاز مؤسسي وتضييق اقتصادي.. هكذا تستنزف مليشيا الحوثي أموال التجار والمغتربين في إب
لم تعد محافظة إب، الحاضنة الاستثمارية والاقتصادية الأبرز في وسط اليمن، مجرد جغرافيا مستقرة وسط أمواج الحرب المفتوحة، بل تحولت في ظل القبضة المسلحة لمليشيا الحوثي إلى ما يشبه الحقل الاستثماري القسري.
هذا الحقل تدار فيه عمليات هندسة مالية شائكة وممنهجة تستهدف تجفيف شريانين رئيسيين يمدان المجتمع بأسباب البقاء: تحويلات المغتربين في الخارج، وحركة القطاع الخاص المحلي في الداخل.
ومن خلال تفكيك بنية الجبايات الراهنة، يتضح أن الاستهداف الحوثي انتقل من صيغة المصادرات العشوائية إلى طور الابتزاز المؤسسي المنظم، حيث يتم النظر إلى المدخرات المالية والأنشطة التجارية بوصفها غنائم حرب يجب حلبها بشكل مستدام لإطالة أمد نفوذ المليشيا.
المغترب كهدف دائم
تاريخياً شكّل الاغتراب، لا سيما نحو دول الخليج وأمريكا الشمالية، صمام الأمان لآلاف الأسر في مديريات إب المختلفة مثل العدين، يريم، والشعر، حبيش، حيث أسهمت تحويلاتهم في بناء المدارس والوحدات الصحية وتنفيذ المبادرات المجتمعية، كرصف الطرقات وتأمين الحد الأدنى من المعيشة في غياب مشاريع الدولة منذ سيطرة مليشيا الحوثي على المحافظة إلى اليوم، تحول هذا النمط الكفاحي إلى ثغرة أمنية تستغلها الأجهزة الاستخباراتية المستحدثة التابعة للمليشيا.
لم يعد المغترب آمناً حتى في حدود منزله؛ إذ توثق التقارير الميدانية تصاعداً ملحوظاً في عمليات اقتحام منازل المغتربين العائدين لقضاء إجازاتهم، والاعتداء على عائلاتهم، واختطافهم بتهم فضفاضة تتراوح بين التخابر أو عدم تسوية نزاعات عقارية مفتعلة.
العملية لا تحدث بالصدفة، بل تبدأ برصد دقيق من قبل المشرفين وأبواقهم المحلية الذين يحصون أصول المغتربين وعقاراتهم، ثم تبدأ سلسلة من الضغوط والابتزاز المالي المنظم.
يُوضع المغترب أمام خيارين كلاهما مر: إما دفع مبالغ خيالية تحت مسمى فدية الإفراج والتسويات الودية، أو مواجهة السجون السرية بتهم سياسية ملفقة، مما جعل فكرة العودة إلى مسقط الرأس مغامرة محفوفة بالمخاطر الأمنية والمالية الكبرى.
المأسسة القانونية للسرقة.. لجان الرقابة وهيئة الزكاة
على الجانب الآخر، يختنق القطاع الخاص المحلي تحت وطأة ترسانة من الهيئات واللجان التي استحدثتها المليشيا لشرعنة السطو المالي. وتبرز هنا الهيئة العامة للزكاة ومكاتب الصناعة والتجارة والضرائب كأدوات تنفيذية حادة لتطويق التجار.
مع اقتراب المناسبات الدينية أو الطائفية الكثيرة طوال العام، تنطلق حملات واسعة النطاق تحت لافتات براقة مثل الرقابة على الأسعار أو تدقيق الدفاتر الضريبية.
الواقع الميداني يكشف أن هذه اللجان لا تمارس عملاً تنظيمياً، بل تنفذ عمليات مداهمة قسرية للمحلات والمراكز التجارية في مديريات مثل المشنة وذي السفال والأسواق في مراكز المديريات، وعندما يبدي التاجر عجزاً عن دفع المبالغ الفلكية المطلوبة منه بأثر رجعي، يعمد مسلحو الهيئات الحوثية إلى اختطاف عمال المحلات واقتيادهم إلى سجون خاصة كوسيلة ضغط سافرة على مالك العمل.
إن هذه الديناميكية تحوّل الزكاة والضرائب من فرائض قانونية واقتصادية لدعم المجتمع إلى أدوات إكراه مالي صريح، يُجبر فيها التاجر الصغير والكبير على الشراء الدائم لسلامته وسلامة عماله من بطش المشرفين.
تبييض الانتهاكات
لا يمكن لآلة الابتزاز هذه أن تعمل بكفاءة دون هندسة وعي موازية تديرها الشخصيات الانتهازية والمستفيدون الجدد في المحافظة.
هنا تظهر أبواق المنتفعين لتمارس دورها في تبرير القمع المالي وتأطيره أخلاقياً ووطنياً. عبر الفعاليات والاجتماعات القبلية المفروضة، يجهد هؤلاء لتصوير الجبايات والضرائب المضاعفة كمجهود حربي أو واجب ديني وطني لمواجهة الحصار.
تقوم هذه الشبكات بوظيفة خطيرة تتمثل في تجريد الضحية من مظلوميتها؛ فإذا اشتكى التاجر أو شكا المغترب من فداحة الابتزاز، وصمته هذه الأبواق بالخيانة أو الجشع والارتزاق ومحاولة ضرب الاستقرار الداخلي.
هذا التخادم الإعلامي والاجتماعي بين سوط المشرف ولسان المنتفع يغلق قنوات الشكوى أمام الضحايا، ويخلق غطاءً اجتماعياً زائفاً يوحي بأن المجتمع في إب يمول هذه الإجراءات طواعية، بينما الحقيقة هي رعب صامت يخيم على الأسواق والمنازل.
مآلات الانكماش
إن النتائج الكارثية لهذه السياسة الممنهجة بدأت تظهر بوضوح على السطح الاقتصادي للمحافظة. حيث لم يعد القطاع الخاص قادراً على امتصاص الصدمات المتتالية الناتجة عن الجبايات وتضاعف الرسوم والضرائب التقديرية، مما أدى فعلياً إلى إفلاس وإغلاق العشرات من المنشآت التجارية الصغيرة والمتوسطة، وهجرة رؤوس الأموال العريقة من إب نحو مناطق أكثر أماناً واستقراراً.
هذا التجفيف المنظم لشريان المال والاغتراب يضرب مباشرة شبكات التكافل الاجتماعي؛ فالعائلات التي كانت تعتمد على رواتب عمال المحلات أو على المساعدات الدورية التي يرسلها المغتربون، وجدت نفسها فجأة بلا مورد أمني أو غذائي.
إن إفراغ إب من قدراتها الاقتصادية وتحويلها إلى مجرد خزان مالي للجباية لا يهدد الحاضر المعيشي للسكان فحسب، بل يزرع ألغاماً هيكلية ستعوق أي محاولة مستقبلية لإنعاش التنمية، مخلّفاً مجتمعاً مثقلاً بالفقر والضغائن الاجتماعية الناتجة عن سياسة السلب الممنهج تحت تهديد السلاح.