الغليان تحت الرماد.. هل تقود سياسة الإفقار الحوثية إلى "انتفاضة جياع" شاملة؟

تعيش جغرافيا اليمن واحدة من أعقد الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث، حيث تحولت البلاد إلى ساحة تتناقض فيها المشاهد بشكل صارخ، فبينما يطحن الجوع أجساد ملايين المواطنين الذين باتوا يعيشون تحت خط الفقر المدقع، تتضخم ثروات قيادات المليشيا الحوثية وتتسع رقعة استثماراتها العقارية والتجارية.

 هذا الشرخ الاجتماعي والاقتصادي العميق لم يعد مجرد أزمة معيشية عابرة، بل تحول إلى قنبلة موقوتة تهدد بانفجار مجتمعي وشيك، في ظل انسداد الأفق السياسي واستمرار الانقلاب الحوثي وتحول تجويع الشعب إلى استراتيجية ممنهجة لإخضاعه وتكريس سلطة المليشيا.

 سياسة التجويع الممنهج

منذ ما يقارب العقد من الزمن، يعيش الموظفون الحكوميون في المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا بلا رواتب، مما أدى إلى انهيار الطبقة الوسطى تماماً وتحول أساتذة الجامعات والمعلمين والأطباء إلى مهن هامشية لتأمين قوت يومهم. 

المليشيا لم تكتف بقطع الرواتب، بل فرضت شبكة معقدة من الجبايات والإتاوات تحت مسميات متعددة، شملت الخُمس، والمجهود الحربي، والضرائب المضاعفة، والجمارك المستحدثة بين المحافظات. 

هذه الأموال المستخلصة بقوة السلاح لا تعود إلى خزينة الدولة لتقديم الخدمات أو دفع الأجور، بل تتدفق مباشرة إلى حسابات قيادات المليشيا لتمويل أنشطتها وتوسيع نفوذها المالي.

في مقابل هذا الحرمان الشامل، تشهد العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى طفرة عقارية هائلة وتأسيس شركات ومولات تجارية ضخمة تتبع قيادات حوثية سلالية. 

هذا الثراء الفاحش والعلني المستفز يثير حالة من الغليان الصامت لدى المواطن الذي يقف عاجزاً عن شراء كيس من القمح أو تأمين أسطوانة غاز منزلي، والتي تباع بأسعار خيالية في السوق السوداء التي تديرها المليشيا نفسها.

اقتصاد الحرب الموازي

استبدلت المليشيا مؤسسات الدولة باقتصاد موازٍ أسود يعتمد بشكل كلي على التهريب والمضاربة بالعملة والسيطرة على قطاعات النفط والاتصالات. 

التقارير الدولية الصادرة عن خبراء الأمم المتحدة تؤكد أن إيرادات الموانئ والضرائب المفروضة على الشركات الكبرى تكفي لتغطية رواتب الموظفين في شتى أنحاء اليمن، إلا أن هذه الإيرادات تجد طريقها إلى شبكات مالية معقدة لخدمة مصالح قيادة مليشيا الحوثي.

هذا التدمير الممنهج للاقتصاد الوطني أدى إلى شلل شبه تام في القطاع الخاص التقليدي. فقد أُجبر المئات من التجار ورجال الأعمال على إغلاق منشآتهم أو الهجرة خارج البلاد بعد تعرضهم للابتزاز المستمر والسجن والتنكيل، ليحل محلهم جيل جديد من أمراء الحرب الحوثي الذين لا يملكون أي خلفية اقتصادية سوى الولاء العقائدي للمليشيا والقدرة على نهب الموارد العامة.

بؤر الجوع الساخنة

تصنف المنظمات الأممية اليمن باستمرار ضمن قائمة بؤر الجوع الساخنة في العالم. ومع تراجع التمويل الدولي للمساعدات الإنسانية وانشغال العالم بأزمات دولية أخرى، بات ملايين الأطفال في اليمن يعانون من سوء التغذية الحاد والتقزم.

المستشفيات الحكومية المتهالكة تستقبل يومياً مئات الحالات من الأطفال الذين تحولت أجسادهم إلى هياكل عظمية، في مشهد يختزل حجم المأساة التي تسبب فيها الانقلاب على مؤسسات الدولة.

المساعدات الإغاثية الدولية نفسها لم تسلم من النهب، حيث وثقت تقارير حقوقية متعددة قيام المليشيا بتحويل مسار المساعدات الغذائية المخصصة للفقراء وبيعها في الأسواق أو توزيعها حصرياً على الأسر التي تدفع بأبنائها إلى جبهات القتال، مما يمثل استخداماً صريحاً وقاسياً للغذاء كسلاح لتركيع المجتمع واستقطاب المقاتلين.

مآلات الانسداد

التاريخ يؤكد أن الشعوب قد تصبر على غياب الحريات السياسية لفترة، لكنها لا تصبر على جوع أطفالها. وتتزايد المؤشرات التي تدل على أن حالة الصمت الراهنة في مناطق سيطرة المليشيا ليست قبولاً بالأمر الواقع، بل هي حالة غليان تحت الرماد. 

التصريحات الاستفزازية المتكررة من قيادات المليشيا التي تطالب الجوعى بالصبر وترك رفاهية الإنترنت أو العمل دون أجر، تزيد منسوب الاحتقان الشعبي بشكل يومي.

ويرى مراقبون للشأن اليمني أن هذا الانسداد الكامل في الأفق المعيشي والاقتصادي سيقود حتماً إلى سيناريوهات متعددة، أبرزها؛ انتفاضة الجياع الشاملة واندلاع احتجاجات شعبية عفوية غير منظمة تنطلق من الأسواق والأحياء الفقيرة، وتتحول سريعاً إلى عصيان مدني شامل يفقد المليشيا قدرتها على التحكم الأمني بالحديد والنار.

بالإضافة إلى تفكك الحواضن القبلية، حيث بدأت العديد من القبائل اليمنية تشعر بالعبء الثقيل للمليشيا التي تأخذ أبناءها وقوداً للحروب وتعيدهم في صناديق، دون تقديم أي خدمات أو لفتة إنسانية لمناطقهم، مما يمهد لتمرد قبلي مسلح.

ولا يستبعد حدوث الانهيار الأمني الداخلي للمليشيا، مع  تصاعد معدلات الجريمة المنظمة والانتحار والسرقات نتيجة الفقر واليأس، مما يؤدي إلى تآكل البنية الاجتماعية التقليدية وتحول المجتمع إلى بيئة طاردة وغير مستقرة.

ما بعد المعاناة

أمام هذا الواقع المأساوي، يصبح الحديث عن سلام سياسي مع مليشيا تتغذى على الحرب واقتصاد الجبايات أمراً بالغ الصعوبة. إن إنهاء عذاب اليمنيين يمر عبر مسار إجباري يبدأ بتجريد المليشيا من أدوات النهب الاقتصادي وتوحيد الجهود الوطنية والإقليمية لاستعادة مؤسسات الدولة الشرعية.

فالمجتمع الدولي مطالب اليوم بتجاوز مقاربة الإغاثة الإنسانية المؤقتة والذهاب نحو ممارسة ضغوط حقيقية وصارمة على قيادات المليشيا، تشمل تجميد أصولهم المالية وملاحقة شبكاتهم الاقتصادية في الخارج، وربط أي مشاورات سياسية بملف دفع رواتب الموظفين وفتح الطرقات ورفع الحصار الاقتصادي عن المدن. 

إن استمرار معادلة جوع الشعب وشبع المليشيا لن ينتج سلاماً، بل يمهد لجولة جديدة من الحرب وسيدفع اليمنيون ثمناً باهظاً قد تكون الأكثر عنفاً وتدميراً في تاريخ اليمن المعاصر، إلا أن إسقاط الانقلاب الحوثي سيكون الحل الوحيد لإنهاء معاناة اليمنيين واستعادة الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية.