في ميزان الخيبة.. عندما تتحول الشرعية اليمنية إلى سياط فوق ظهور الأحرار
ليس أشد إيلاماً على نفس الحر من أن يلتفت يمنة ويسرة في معركة الوجود والكرامة، فلا يجد من نظام يستظل به إلا سراباً يحسبه الظمآن ماء. إنها المفارقة المأساوية الصارخة التي تعيشها الجماهير اليمنية اليوم؛ فكلما تضاعف تمسك الأحرار بمظلة "الشرعية" ممثلة بمجلسها الرئاسي وحكومتها، وكلما عضّوا على النواجذ تمسكاً بمؤسسات الدولة لمواجهة المشروع الانقلابي، ارتدت إليهم هذه الشرعية ببرود طاعن، لتخذلهم خذلاناً بلا ضفاف، دون رحمة تنبض، أو مسؤولية تردع.
لقد تحولت الشرعية في الوعي الجمعي اليمني من طوق نجاة يُفترض أن يقود معركة التحرير والبناء، إلى حالة من الركود المزمن ومصدر للإحباط الممنهج. هذا ليس ترفاً في النقد، بل هي الحقيقة العارية التي تجسدها ملفات نازفة تُركت للنسيان في دهاليز الإهمال السياسي والفساد الإداري.
أين هي الشرعية من الآلاف من خيرة رجال الوطن القابعين في غياهب الزنازين والمعتقلات الحوثية.
إن خذلان المختطفين والمخفين قسراً يمثل وصمة عار في جبين قيادة تفاوض في العواصم على حساب حرياتهم، وتتنازل عن أوراق قوتها دون أن تنتزع فكاك أسيراً أو تضمد جرح غائب. وإذا ما التفتنا إلى الجرحى الذين بذلوا دماءهم وأطرافهم رخيصة لتظل راية الجمهورية خفاقة، نجد أن مكافأتهم كانت الإهمال والنسيان، يطرقون أبواب المستشفيات في الداخل والخارج بلا مجيب، بينما ينعم القادة بامتيازاتهم الوفيرة.
أما مأساة النازحين والمهجرين الذين نكّلت بهم الآلة الحوثية، وفجرت منازلهم، وشردت عائلاتهم، فقد تحولت في ظل هذه الحكومة إلى مجرد أرقام إحصائية تُستجدى بها المعونات الدولية، دون أن تتبنى الحكومة استراتيجية وطنية حقيقية لإيوائهم، أو توفير العيش الكريم لهم، أو المسارعة عسكرياً لتأمين عودتهم إلى ديارهم.
ولم يكن الملف الاقتصادي والمعيشي بأقل قسوة؛ إذ تقف الحكومة اليوم في موقف المتفرج العاجز أمام انهيار العملة، والارتفاع الجنوني للأسعار، وتآكل القوة الشرائية للمواطن. وبدلاً من إرساء قواعد الحكم الرشيد ومعالجة المظالم الصارخة للناس في المناطق المحررة التي باتت تفتقر لأبسط الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه، غرقت المؤسسات في المحاصصة والفساد، وتحولت الإدارة إلى غنائم تُقسّم بعيداً عن الكفاءة والنزاهة.
إن التراجع المستمر والتماشي المفرط مع الإملاءات الإقليمية والدولية، يبرهن على أن القرار الوطني قد فقد استقلاليته المعهودة، وبات يتحرك في فلك الحسابات الخارجية على حساب الأولويات السيادية والمصالح الحيوية للشعب اليمني.
هذا التخاذل السياسي عطل أدوات الضغط العسكري والاقتصادي على الميليشيا الحوثية، وجعل الشرعية تقدم التنازل تلو التنازل في ملفات حيوية كالبنوك والمطارات والموانئ، دون الحصول على أي مقابل حقيقي يخدم القضية اليمنية.
كل هذا يحدث، وقيادة البلاد لا تزال تغط في سبات عميق داخل "فنادق المنفى" وعواصم الشتات. لقد انقطعت صلة هؤلاء القادة بتراب الأرض، وباتوا يعيشون معزولين في أبراجهم العاجية، لا يدركون حر الصيف الذي يكتوي به المواطن في عدن، ولا مرارة الجوع في تعز، ولا بؤس النزوح في مأرب والخوخة.
إن تمسك الأحرار بالشرعية لم يكن يوماً صك غفران لخطاياها، بل كان تمسكاً بـ"فكرة الدولة" في مواجهة الميليشيا. لكن على مجلس القيادة الرئاسي والحكومة أن يدركوا جيداً أن الصبر الطويل له حدود، وأن الشرعية المستمدة من الشعب تسقط عندما تتخلى عن واجبها الوجودي. إن التاريخ لا يرحم المتخاذلين، ودماء الشهداء وأنين المعتقلين ستظل لعنة تطارد كل من خان الأمانة واستمرأ العيش في ظلال الخنوع.