هكذا تُهدر الشرعية اليمنية عناصر قوتها!

لم تعد المسألة مجرد تباين في وجهات النظر السياسية، بل غدت معضلة وجودية تقضم ما تبقى من جدار الدولة اليمنية. 

حين نرقب سلوك مجلس القيادة الرئاسي والحكومة الشرعية ومعهما المجتمع الإقليمي والدولي في تعاطيهم مع مليشيا الحوثي، يصدمنا ذلك الإصرار العجيب على الهروب من التوصيف الحقيقي للعدو.

إذ تُدار المعركة المصيرية بمنطق الأب الحليم الذي ينتظر عودة ابنه العاق إلى صوابه، وليس بمنطق الدولة الحازمة التي تواجه مليشيا انقلابية، إرهابية، سلالية، نكّلت باليمنيين وأهلكت الحرث والنسل.

هذا الانفصام في الوعي السياسي للشرعية أورثها عجزاً مشهوداً، فالميليشيا التي فجرت البيوت، وصادرت الأموال، واختطفت النساء، وحاصرت المدن، وجوّعت ملايين البشر، لا ترى في لغة التنازلات وإبداء حسن النوايا إلا دليلاً على ضعف الشرعية وتآكل أوراقها. 

إن تحويل قضية وطنية عادلة، قوامها الانقلاب على الإرادة الشعبية، إلى أشبه من مجرد خلاف بين أب حليم وابن عاق يمكن حله بالترضية، هو الخطيئة الكبرى التي منحت الانقلابيين سنوات إضافية للتمكين وتجريف الهوية الوطنية.

اليمنيون اليوم لا يبحثون عن حكومة مؤدبة تُجيد صياغة بيانات الإدانة والشجب وتستجدي الحلول من أروقة المجتمع الدولي، بل يتطلعون إلى سلطة سيادية تملك زمام المبادرة وتتحرك بكبرياء الدولة وكرامة التاريخ.

 إن الاكتفاء بموقف الدفاع، وتأجيل القرارات الاقتصادية والعسكرية المصيرية تحت لافتة إعطاء فرص للسلام، لم يُنتج سوى مزيد من التغول الحوثي، الذي وصل إلى حد تحويل كل شيء تحت رحمة المليشيا من محاصرة لقمة عيش المواطن اليمني وتجويعه واضطهاده واذلاله وصولاً إلى تهديد الملاحة الدولية.

إن الوفاء لدماء الشهداء، والانتصار لأنين المختطفين في أقبية السلالة، يفرض على مجلس القيادة الرئاسي والحكومة مغادرة مربع الأبوية الزائفة والتعامل مع مليشيا الحوثي باعتبارها منظمة إرهابية لا تفهم إلا لغة القوة والردع.

السلام لا يُستجدى من القتلة، والسيادة لا تُقسّم، والدولة لا تستقيم بمهادنة من يريد هدم أركانها. 

لقد حان الوقت لتستعيد الشرعية مخالبها، وتدرك أن حماية اليمن واليمنيين لا تمر عبر استرضاء الجلاد، بل عبر قطع يده الباغية.